الأربعاء، 11 أبريل 2018

«طيور الأطلسي» فوق بلاد الشام

تعيدنا الأجواء الاعلامية والسياسية إلى مشهد مشابه لأواخر شهر آب من العام 2013. حينها كان «كيميائي الغوطة» أيضاً حدثاً أول، وخلفه تحشيد غربي ــــ عربي طلباً لتحليق «طيور الموت» فوق سوريا. مرّت أيام في انتظار أن يبصر الاعتداء الأميركي النور، وكان القرار مرتبطاً بمجموعة عوامل وعراقيل جعلت صاحب القرار (باراك أوباما) يستخدم «سلّم» نظيره فلاديمير بوتين عبر «اتفاق نزع السلاح الكيميائي السوري».
اليوم، بعد أقل من 5 سنوات، تعود واشنطن وخلفها الحلف نفسه الى الاستعدادات والجاهزية العسكرية وكأنّ الحرب على الأبواب. بين هاتين المحطتين، حدث فالق كبير في ميزان القوى على الساحة السورية: روسيا حضرت بكل ما في جعبتها من قدرة عسكرية، إيران ازداد حضورها ونفوذها إلى جانب حزب الله، أما دمشق فبسطت سيطرة ميدانية شبه مطلقة أفرزتها انتصارات استراتيجية في كل من حلب ودير الزور، والأهمّ في المرحلة الأخيرة، الغوطة ومحيط العاصمة.
في مثل هذه الأجواء أيضاً، استهدفت مدمّرتان أميركيتان يوم 7 نيسان 2017 مطار الشعيرات العسكري بـ 59 صاروخاً من طراز «توماهوك»، رداً على «هجوم كيميائي» في خان شيخون حمّلت مسؤوليته للجيش السوري. الهجوم الأميركي لم يكن بمستوى يستدعي ردّاً، وأمكن هضمه من محور دمشق، خاصة مع ابلاغ واشنطن لموسكو بتوقيت الضربة.
اليوم، نحن أمام واقع مختلف في الشكل، إذ إن الإدارة الأميركية أمام اختبار لا تستطيع أن تكون رسائله أقلّ صخباً من ضربة السنة السابقة، لكن ما هو الاعتداء الذي لا يستدعي رداً، من سوريا وحلفائها، خصوصاً من روسيا التي أخذت على عاتقها في العلن حماية «النظام السوري» ومكتسبات جيشه؟ من هنا يمكن فهم «التراجع» الذي ظهّره الرئيس إيمانويل ماكرون مساء أمس عندما حدد أن أي ضربات محتملة «ستستهدف قدرات الأسلحة الكيميائية لدى دمشق».
إذاً، وصلت واشنطن في تصريحاتها وجهوزيتها المعلنة إلى مستوى اتخاذ قرار الضربة، لكن يبقى الاعتداء بمستواه، واليوم الذي يليه، هو المحك الذي على أساسه تُبنى التقديرات.

تحضيرات المسرح
  

شغلت التحركات العسكرية الأميركية والروسية في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط، الجميع أمس، وسط ترقّب لنتيجة المواجهة الروسية ــــ الغربية في مجلس الأمن. وتوالت الأخبار عن حشد الأميركيين لعدد من المدمرات البحرية في المتوسط، وسط استنفار عسكري للقوات الروسية العاملة في سوريا كما للوحدات البحرية في البحر الأسود.
في موازاة المواجهة في مجلس الأمن التي اختتمت بتمنٍ روسي بتراجع واشنطن وحلفائها عن «الخطط التي يعدونها» ضد سوريا، كان النشاط العسكري الأميركي يصبّ كلّه في البحر المتوسط. ففيما تتمركز المدمرة البحرية «دونالد كوك» في المنطقة الفاصلة بين سوريا وقبرص، بدأت قطعات بحرية أميركية بالتحرك نحو المتوسط، أبرزها،حاملة الطائرات هاري ترومان والمجموعة القتالية المرافقة لها التي تتضمن ست مدمرات، وفرقاطة ألمانية سترافقها في رحلتها من ميناء نورفولك على الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة، نحو أوروبا والشرق الأوسط. وذلك بالتوازي مع تحرك عدة وحدات إسناد بحرية ضمن المتوسط.
هذا التحشيد ترافق مع تسريبات تناقلتها أوساط إعلامية أميركية بأن «البنتاغون» انتهى من وضع «بنك أهداف» لأي ضربات مفترضة، وهو ينتظر قرار الرئيس دونالد ترامب. وترافق ذلك مع تصريحات لوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، من باريس، توضح استعداد بلاده للمشاركة في أي تحرك عسكري «مع الشركاء... إذ تطلّب ذلك». وبدا لافتاً، بالتوازي، أن «وكالة سلامة الطيران الأوروبية» أصدرت ظهر أمس تحذيراً عاجلاً لجميع مشغلي الطيران، يخص منطقة شرق المتوسط وقبرص، من احتمال شن غارات على مواقع في سوريا عبر صواريخ جوّ ــ أرض، أو صواريخ «كروز»، خلال الـ72 ساعة المقبلة. وترافقت تلك التطورات مع نشاط عسكري روسي، في سوريا وفي منطقة البحر الأسود. إذ شهدت الأجواء السورية تحركاً لطائرات المراقبة والتحذير المبكر إلى جانب نشاط الطائرات الحربية التي تملك القدرة على حمل صواريخ مضادة للسفن، بالتوازي مع ما نقلته وسائل إعلام روسية عن استنفار للوحدات العاملة في البحر الأسود.
     
   
المصدر: افتتاحية اليوم لجريدة الأخبار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إلى 10000 مستمعٍ لصوتِ العقل.. شكراً!

من قال أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"؟! فصــوت الحياة أقوى من صوت الموت.. وصــوت الموسيقى أقوى من صوت الحرب.  صــوت العقل ...