الخميس، 31 يناير 2019

فراس السوّاح.. لا سقف فوق العقل

Související obrázek
المفكّر السوري والباحث في علم الأديان والميثولوجيا الدكتور فراس السوّاح


همام دوبا | كنّا قد تكلّمنا في مقالٍ سابق تحت عنوان "المتأسلمون.. العدوّ الأول للإسلام" عن أهمّية قراءة التاريخ العربي عموماً، والإسلامي خصوصاً، قراءةً نقديّةً برؤيةٍ حداثيّةٍ تتناسب والقرن الأول بعد الألفية الثانية.. لا القرن السادس الميلادي، وهذا ما كان قد ملّ أدباء ومثقفون كثر من الدعوة إليه، أبرزهم القامة السورية العظيمة أدونيس، والمفكّر السوري والباحث في علم الأديان والميثولوجيا فراس السوّاح، لكن الأخير كان قد دخل في خصومةٍ مع الكاميرا والإعلام منذ وقتٍ طويل، على عكس أدونيس النشط في ظهوراته على الإعلام.
مؤخراً برز اسم السوّاح مجدداً على وسائل الإعلام بشقيه التقليدي والاجتماعي الافتراضي، وذلك بعد منشورٍ للسوّاح على الموقع الأزرق، لم يتجاوز السطرين، عبّر فيه عن عدم قبوله لصداقة أيّة فتاة محجّبة، مبرراً ذلك بأنّ "حجاب الرأس هو حجاب للعقل", وبعد أيام دحض السوّاح شائعة أن الكلام ليس له، بل وأكّده عبر لقاءٍ مقتضب بـ "أن الحجاب ظاهرة غير حضارية، وأنه ظاهرة تخلّف، ويجب أن يختفي"، ومع هذا التصريح وجد الشارع السوري حديثاً آخر ليناقش به إضافةً إلى أحاديثه اليومية ومعاناته مع الأزمات المتلاحقة في الكهرباء والغاز والبطاقات "الذكيّة" وحليب الأطفال.. وبرغم أن قوتَ الناس اليومي أصبح مهدداً بشكلٍ غير مسبوق واحتماليّ التأمين!، 
أتى السوّاح لينسيهم ذلك، ويشغلهم في البحث عن محجّبةٍ عالمة أو أُخرى مثقّفة لطرحها كمثالٍ يحاجج ما طرحه السوّاح، في حين لم يتوانَ أصحاب الرؤية المشابهة أو المقاربة للدكتور فراس في طرح رؤيتهم أيضاً، فبدأوا بمقارناتٍ ودراساتٍ لارتفاعِ نسبةِ غطاءِ الرأس في المجتمع السوري، بين أوساط الفتيات في القرن الماضي وأقرانهم من فتيات اليوم، وقد تطرّق كِلا الطرفين بشكلٍ أساسيّ إلى الحريّة الشخصيّة، فرأى الفريق الثاني أن المنشور والتصريح لم يتعدّوا كونهم رأياً شخصياً من الممكن طرحه، بينما يرى الطرف الأول أن الحجاب هو أيضاً حرّية شخصية وأنّ كلام السوّاح يصبّ في خانة "الكلام العنصري"، فيحمل من التهجّم ما يحمل، وأن لا ارتباط بين الحجاب والعقل.
بعيداً عن الاجابتَين، دعونا نناقش بموضوعية، هل كان كلام السوّاح عنصريّاً؟ أم أنّه حرية شخصية؟
إن أكثرَ ما أثارَ استغرابيَ هو تناقض من هاجموا التصريحات و "عنصروها"، فهم بغالبيتهم يمارسون عنصريتهم على الغير _الثياب السبور_ فأن تضع الناس في خانةِ الفسوق والفجور والخروج عن الذمّة لمجرّد عدم توافقهم مع مفهومك للاحتشام والتديّن، هو أمر شديد العنصرية، أمّا عن أنّ الحجاب هو قناعةٌ ورأيٌ شخصي فكنّا سنتفق على ذلك لو لم نكن نعاصر ذات المجتمع الذي يفرض الحجاب قسراً على فتياتٍ لم يتجاوزوا  سنّ الطفولة بعد, فيدخلن في أعوامهن العشر في صندوقٍ مغلق لا يعرفن عنه شيئاً، حتّى أنّه في كثير من الحالات يُحرّم عليهن البحث عن السبب، أو حتّى السؤال، حيث يكتفي ولاة الأمر بعبارة _هيك الله بدّو، مشان تفوتي عالجنّة مو عالنار_ وهذا بالطبع ما أنشأ جيلاً محجّباً ومحجوباً دون قناعته بذلك، حيث نرى اليوم نسبةً كبيرةً من المحجّبات يصرّحن ويتكلّمن أنهنّ غير مقتنعاتٍ وأنّه قد فُرِض عليهن فرضاً، فأصبح حجابهنّ مرتبطٌ برضى الوالدين والمجتمع لا أكثر، وكل واحد منا يعرف فتياتٍ قد أطلقن لشعرهنّ حريته عندما سمحت لهنّ الظروف، فعن أيّ رأيٍ شخصيٍّ يتكلّمون؟
  

أعتقد أنّ السوّاح قد استند في تصريحاته ومنشوره على هذا الصندوق الذي توضع فيه الفتاة منذ نعومة أظفارها، فيبدأ عندها الخوف من المحيط بأكمله، مما يحجبُ عقلَها عن التجاربِ والحياة بأكملها، وعندما يشعرها المجتمع أنّها موضع شهوةٍ مستمرّة، وعليها فقط أن تفكّر كيف تخفي أنوثتها، دون أيّة قناعةٍ بذلك في أغلب الأحيان، وعندما تسأل يأتيها جواب معلّق على الغد فـ "غداً ستفهم، وغداً ستعرف، وغداً ستشكر" ولا يأتي هذا الغد، وعندما يأتي وتحاول هي أن تتيقّن وتعتمد ما فرضه أهلها عليها كرأي شخصيٍ، ستشكر. أما اذا توصّلت لرأيٍ مخالف فعندها لا يحمل لها هذا "الغد" سوى غضب يصل حدّ الضرب أحياناً، وحدود أبشع في حالاتٍ أخرى.
 

لا يمكننا هنا أن نناقش هل الحجاب فرض أم لا، وهل هو موروث ديني أم أنه فرض اجتماعي لا أكثر، كما أنه ليس من دورنا هنا أن نناقش فيما كان صحيحاً أم خاطئ، فذلك برأيي يندرج ضمن الحريات الشخصية، لكن بشرط أن يكون حرّية شخصية للفرد بكل ماتعنيه الحريّة من معنى، وأن تستطيع الأنثى وضعه بملئ إرادتها، وكذلك نزعه بملئ إرادتها أيضاً.
كثيرون أيّدوا فراس السوّاح، لكنهم انتقدوا طريقته ومباشرته، ولكنّه لربّما تقصّد أن يتكلّم بهذه الطريقة كي يثير هذا الجدل الذي تمّت إثارته، فالكثيرون يتكلّمون في الموضوع منذ زمن طويل دون أن يحدثوا خضّة في المجتمع، فالصدمات تدفعنا للتفكير في كثيرٍ من الأحيان، وقد غامر السوّاح باسمه وجمهوره كي يثير هذه الدوّامة، وكي تبدأ كل الأطراف بالبحث والتقصّي والدفاع عن أفكارها بطرق علميّة وموثّقة، كما فعل عباس النوري في موضوع "صلاح الدين الأيوبي" ومن قبله الكاتب المصري يوسف زيدان.

ربّما تكمن المشكلة اليوم في المجتمع السوري في غياب أدوات الحوار والنقاش، وهذا يردّ لقلّة الهوامش المتاحة إعلامياً وعلنياً ومجتمعياً في كثيرٍ من المواضيع والملفّات، وكذا لقلّة الاجتماع الذي تحدّثنا عنه في مقالنا السابق (عن الوجدان الجماعي في زمن "الهواتف الذكيّة)، وهنا يتحتّم علينا أن نصوغ طريقتنا في تبادل الأفكار لا تبادل الاتهامات، وأن يُتاح للمثقّفين قول كلمتهم المؤثّرة بهدوء، من دون أن يُجبَروا على صنع تسونامي كي يبدأ الجدل والتفكير.
 
  
راديو ماراتوس 
من فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تُنشر كل خميس على موقع وصفحة راديو ماراتوس.

الخميس، 24 يناير 2019

عن الوجدان الجماعي في زمن "الهواتف الذكيّة"..


همام دوبا |
 يمكننا القول بأنّ الاجتماع اليوم في بلادنا أمرٌ مفقود، الاجتماع بمعناه الماديّ، وما يليه من تجانساتٍ فكريّةٍ ومن ثمّ اجتماعية، أو توافقاتٍ على أقلّ تقدير، ومن هذه التجانسات والتوافقات ينشأ ما يمكن تسميته بـ "الوجدان الجماعي" لشعبٍ ما، ذلك الذي يعمل على توليده أمورٌ عدّة، في مقدّمتها السينما والمسرح اللذان يعملان على إنشاء الشكل الماديّ لهذا الوجدان، فيما تقوم الرواية بصقل بنيته المعنوية بوصفها النص الذي يبنى عليه ما سبق، فدُورُ العرض _مسرحاً كانت أم سينما_ تبني وجداناً واحداً للحضور، كتلةٌ جماهيريةٌ تتفاعل بكلّيتها مع ذات الخشبة، وتُبصر ذات النور المنبثق من جهازِ الإسقاط، والخشبة وجهاز الإسقاط يتفاعلان بدورهما مع أرواح الحضور وعقولهم.
وإذا ما اقتربنا أكثر وضيّقنا منظورنا حتّى نرى به الأفراد كأجزاءٍ مستقلّة تتبع إلى هذا "الكل" المتمثّل بالجماعة، فإن هؤلاء الأفراد يسقطون كلّ قيمةٍ شعوريّةٍ وفكريّة، وكلّ مشهد يشاهدونه، على حياتهم وأفكارهم وعلى مواقفٍ قد مرّوا بها سابقاً، أو ربّما سيمرّون بها، وهذا ما يمكن أن نتعبره نقاشاً يدور بين الحضورِ بصمت.
ولعلّ أهمّية المسرح والسينما ليست بما يُعرَض، بل بهذا الاجتماع الذي تولّده، وإذا ما تكلّمنا عن الرواية فهي لا تقلّ أهميةً عن "أبو الفنون" ولا عن "الفن السابع" بدورها في إحداث هذا الاجتماع حول أمرٍ أو قضيّةٍ ما، وبرغم أنّ الأفراد يبحرون بها في ظروفٍ مكانيّةٍ منفصلة ومختلفة، إلّا أنها تتمتّع بالقدرةِ على جعلِ القرّاء مجتمعين في وجدانهم، وتصوّرات المشاهد المكتوبة روائياً، وما يتبعها من محاولاتٍ متباينة لاستنباط المعاني وإدراك الصور، وقياساً على ذلك يقول الفنان فايز قزق :" عندما يتحلّق حول الرواية 20 ألف إنسان من مدينةٍ ما، ويقرأونها يُصبِح للألسُن تقارباتٍ تُآخي الألسن نفسها ويُصبح السياق اليومي سياقاُ موحّداً إلى حدٍّ ما، قادراً على فهم بعضه البعض"، وبذلك تجعل الرواية منهم كياناً متّصلاً فكرياً _رغم الفارق المكانيّ_ في البحث عن المعنى، وفي الإحساس بالقيم الشعورية التي تؤلّفها الرواية.
فأين نحن اليوم من هذا الاجتماع، وما هو موقعنا من هذه التألفات والتقاربات التي ينتج عن مخاضها وجدانٌ جماعي يمثّل روح المجتمع!؟
فلا رواية عربية اليوم، لا مسرح ولا سينما، وبعد تسعة عشر سنة من وداعنا لقرنٍ زاخمٍ بالأعمال والمحاولات الجادّة، أصبحنا اليوم نكتب كلّ شيء إلّا الرواية، ونمثّل في كل مكان ما عدا خشبة المسرح، وبرغم وجود بعض المحاولات المسرحية والسنيمائية والروائية، لكننا لا نستطيع إلّا أن نعدّها استثناءً عن قاعدة صدأت وجعلت عقولنا وأفئدتنا صدأة معها.
فبعد أن سيطر التلفزيون علينا، ذلك الصندوق الذي أسرنا في داخله، أتت ما تُعرف بالـ "الأجهزة الذكيّة" والتي سيطرت على عقولنا عبر تلك الإنشات الصغيرة التي تضيء على مسافة عشرين سانتيمتر من أعيننا، وبعد أن كانت دور العرض تفتح آفاقاً واسعة للرؤية والتفكّر، أصبحت الهواتف تحتلّ معظم وقتنا يومياً، فتشغلنا عن كل ما يحيطنا، وتمنع اجتماع العائلة حول مائدة الطعام، فما هي فاعلةٌ بأهل مدينةٍ كاملة؟

 
راديو ماراتوسمن فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تُنشر كل خميس على موقع وصفحة راديو ماراتوس.


الجمعة، 18 يناير 2019

فيضانات الإهمال.. تخلّف وراءها القهر والفقر

Image may contain: outdoor, water and nature
 من أحد بساتين الحمضيات في قرية "ستخيرس" بعدسة متابع الراديو عمّار نبيعة

على مدى عقودٍ طويلة عانى ويعاني الساحل السوري من إهمالٍ في كافة القطاعات، الخدمية والصناعية والتجارية والزراعية، رغم أن موقعه المطلّ على البحر والموانئ يجعل منه بيئةً استثمارية ممتازة لكل تلك القطاعات، وانحسرت الخيارات أمام أبناء الساحل في سهله وجباله على خيارين اثنين.. الدراسة في الجامعة وانتظار إحدى الوظائف التي تقي من الموت جوعاً، أو الذهاب للخدمة في الجيش والمؤسسات الأمنية التي تتبع له، ويتخلل هذين الاحتمالين، نشاطٌ زراعي قد يسدّ أحد الأبواب أمام الفقر والحاجة، من أهمّ هذه النشاطات الزراعية: الزيتون، الحمضيات، البيوت الزراعية والتبغ. و"للمصادفة" فإن جميع هذه المحاصيل لا تلقى الدعم الحكومي المشابه الذي تلقاه المحاصيل الزراعية الأخرى مثل القمح والشعير والقطن، والتي تزرع رئيسياً في المنطقة الشرقية والوسطى. 
وعلاوةً على هذا الإهمال، فإن هنالك تنصّل حكومي دائم من تعويض الخسارات التي تلحق بهذه الزراعات، وتهرّب دائم من تحمّل المسؤوليات تجاه حمايتها أو تسويقها أو إيجاد الوجهات التصديرية أو التصريفية المناسبة لها مثل بناء معامل العصائر، فكل عام تواجه حوالي 60000 أسرة تعمل في زراعة الحمضيات كابوس تصريف المنتجات التي نجت من الفيضانات أو الأمراض أو الظروف المناخية، ما يدفع بعضهم إلى إتلاف منتوجهم على أن يبيعونه بأقل من سعر التكلفة. 
قبل أيام، فاض السد المقام على نهر الكبير الشمالي، فاضطرت إدارة السد إلى التفريغ العاجل والاضطراري للمياه ما أدى إلى اجتياحها مئات الهكتارات لتجرف معها عرق وتعب وجهد مئات الأسر في اللاذقية، رغم المناشدات المتكررة من الأهالي لجميع من يمكن مناشدته في المحافظة لضرورة التفريغ المبكّر لمياه السد والاستعداد للهطولات الغزيرة. 
وطبعاً، كما كل شيء في هذه البلاد، عندما ينقطع الغاز، عندما تنقطع الكهرباء، عندما ينقطع حليب الأطفال، عندما ينقطع المازوت، عندما يخسر المنتخب وسط فساد الجهاز الإداري الرياضي، عندما تحدث الفيضانات..
الحجّة جاهزة: "نحن في حرب.. والمؤامرة كبيرة.. قدّر الله وما شاء فعل". 


رصد وإعداد: راديو ماراتوس

الخميس، 17 يناير 2019

الموسيقى.. وانعكاسها على المجتمع والسياسة


Výsledek obrázku pro ‫بيتهوفن‬‎
بيتهوفن
همام دوبا | يمتدّ العصر الكلاسيكي في أوروبا بين عامي١٧٣٠ و١٨٢٠، وهو عصرٌ يوصفُ بالنخبوي، حيث يرى فيه أرستقراطيو أوروبا أنّهم وحدهم من يستطيعون تذوّق الجمال، أمّا العامة فلا قدرةَ لها على ممارسة الفن، الفن الذي كان حينذاك فنّا عنصرياً مقيّداً بالنخبوية والسلطوية، ومن أهمّ عرّابي الموسيقى الكلاسيكية في ذلك الوقت موزارت وهايدن وباخ.
  
وبنظرةٍ على المعطياتِ السابقة كان لابدّ من ثورةٍ على تلك القيود التي حكمت كلّ أنواع الفنونِ وبالتالي العقول، فبدأت بوادر الثورة الرومنسية _الرومانتيكية_ وذلك في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر في فرنسا لتعمّ أوروبا في وقتٍ لاحق، حاملةً معها قيماً فنيّةً جديدة، حيث باتت المشاعر هي المحرّك الأوّل للفن بألوانه المختلفة، وكانت الرومنسية بمثابة تأكيدٍ على قوّة المشاعر والعواطف والخيال الجامح، مكتفيةً بهذا الدفق من الأحاسيس كمصدرٍ أوّلٍ وأصيلٍ للتجارب الجمالية.
ودَعَت تلك الثورة إلى التحرّر من قيودِ الكلاسيكيّة السلطويّة، وأُتيحَ للعامّةِ ممارسة الفن وتذوّق الجمال من شتى الأطباق الإبداعية، بعد أن كانت الكلاسيكية تحظر عليهم ذلك، وتحتكره لأرستقراطييها فقط.
ولم تقتصر الثورة الرومنتيكية على الفنّ وحده بل امتدّت لتصلَ إلى الفكرِ حيث يعتبرها المؤرّخون أنّها ثورةٌ ضدّ الأرستقراطية والمعايير الاجتماعية والسياسية ، حتّى أنها ارتبطت لاحقاً بالحركاتِ الليبرالية والراديكالية.
وإذا ما نظرنا إلى الأسباب غير المباشرة للثورة الفرنسية فنجد أنّ الرومنسية بكتّابها وفلاسفتها  أثّرت جليّاً في العقل الأوروبي، بدا ذلك واضحاً في نتاجات فلاسفة التنوير والرومنسية أمثال جان جاك روسو، وفولتير ومن تلاهما من أسماءٍ لا تقلّ إشعاعاً مثل شوبينهاور ونيتشه.
ولكن ثمّة سؤالٌ يبرز هنا عن الفرق الحقيقي والملموس بين الكلاسيكية والرومنسية، يمكننا القول أنّ الفرق يكمن عندما قرّر الرومنسيون أنّ الأدب ليس محاكاةً للحياة وللطبيعة كما تذهب الكلاسيكية، بل خلقاً، وأداة الخلق هي الخيال المبتكر، مع ذكريات الماضي وأحداث الواقع الراهن وإرهاصات المستقبل.
حقّقت الرومنسية ثورةً على العقل وسلطانه، وعلى السيطرة الإغريقية والرومانية على الأدب، وعلى جميع القيود الفنيّة والفكريّة المتوارثة، ودَعَت إلى إسقاط كلِّ ما يكبّل الملكاتِ ويقيّد الفنّ والأدب، لتنطلق العبقريةُ البشرية على سجيّتها.
موسيقياً كان بيتهوفن نقطة التحوّل بين الكلاسيكية والرومنسية وتلاه رومنسياً شوبان، شوبّرت والكثير بعدهما.

وإذا ما أردنا أن نسقط بعضاً من هذا الكلام على واقع الموسيقى في شرقنا، فنلحظ اليوم أن لبنان كوطنٍ نشأ جديداً في منتصف القرن الماضي من رحم سوريا، يمكن اختزاله موسيقياً بتجربة الرحابنة ووديع الصافي، وإذا ما ذهبنا بعيداً في الإسقاطات الطبقية التي تحدّثنا عنها آنفاً في المدرسة الكلاسيكيّة، فنرى مثيلاً لها اليوم من أذواقٍ موسيقية فرزت طبقاتٍ اجتماعية متعددة، ابتداءً من اللون "الشعبي" كما يُصطلح على تسميته، وصولاً إلى الأغاني الدينية التي اجتاحت ساحة الحرب في البلاد خلال السنين الماضية وفرزت جمهوراً يتمترس خلف البنادق على اختلاف ألوانها، مروراً بألوانٍ "موسيقية" أُخرى.
في الختام نرى أن ثورة الرومنسية، ليست مرتبطة بالفنّ وأشكاله وأنواعه فقط، بل هي ثورةٌ اجتماعيةٌ ثقافيةٌ سياسيةٌ شاملة، والحجر الأساس للمفاهيم الديموقراطية التي نتغنّى بها اليوم، حتّى أنّها عُدّت إحدى لَبِناتِ الاشتراكية الأولى.
 
 
راديو ماراتوس 
نُشرت هذه التدوينة تحت فقرة "سكانر" التي تُنشر أسبوعياً على موقع وصفحة راديو ماراتوس.

الخميس، 10 يناير 2019

كيف أصبح الجمال سلعةً رأسمالية؟

همام دوبا | أطلقت منظّمة "الباحثون السوريون" حملة "no makeup January"، وهي دعوةٌ موجّهةٌ للفتيات لإيقاف استخدام مواد التجميل لمدّة شهركامل، حيث تهدف هذه الحملة إلى الإضاءة على المشاكل التي يسبّبها استخدام مواد التجميل على صعيد البشرة وكذلك على الصعيدين النفسيّ والاجتماعيّ، وعند ذكر الاجتماعيّ فلا بدّ أن ننوّه أن الحملة قد أُطلقت من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ، أي المنصّات التي تستخدم عادةً للترويج إلى مستحضرات التجميل عن طريق الصور التي تنتشر فيها، والتي أثّرت وتؤثّر في وعي المتلقي دون أن يدرك ذلك، فلطالما عَمِدت -وعلى مدى تاريخ العولمة- شركات التجميل والأزياء إلى ترويض المجتمع عبر الإعلام لمصلحتها وذلك من القنوات التلفزيونية وأفلام السينما، ونجومها، واليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، إلى أن كرّست أنماطاً معيّنةً للأنوثة والرجولة بما يتوافق مع بيع أكبر نسبةٍ ممكنة من منتجاتها.

وإذا بحثنا عن أسباب انتشار مستحضرات التجميل، نرى أن الرأسمالية العالمية، بشركاتها التي تبتلع عالمنا اليوم، قد أوجدت سوقاً لهذه المساحيق بلغت مبيعاته نحو 170 مليار دولار عام 2010 فقط، وذلك حسب التقرير الدوليّ لصناعة مستحضرات التجميل،
والمشكلة هنا لا تكمن في المستحضرات وسوقها فحسب، بل أيضاً بتأثير الشركات على وعينا في تحديد معايير الرجولة والأنوثة.

في مطلع هذه الألفية من الزمن، كان شرط الوسامة للرجل هو الذقن الحليقة، فجميعنا نذكر دعايات شفرات الحلاقة الأحادية ومن ثم الثنائية ومن بعدها الثلاثية، والفتيات الجميلات اللواتي يتغنين بذقون شركائهن الحليقة، بينما اليوم أصبح إطلاق اللحية بمثابة "ترند"، وتحوّل إلى نمطٍ دارج بما فيه من "مواد تجميلية" للإعتناء باللحية، فإطلاق لحيتك اليوم سيكلّفك 20 دولار على الأقل بين زيوتٍ ومرطّبات و "واكساتٍ" مخصصة.
  

لطالما رغب الإنسان بالاعتناء بمنظره وبمواكبة الموضة, لكن الأمر قد زاد عن حدّه، وأصبحت الشركات تحدّد من هو الرجل ومن هي الأنثى تبعاً لتصنيفات تحددها مجالس الإدارات في هذه الشركات العابرة للحدود والمحيطات والأعراق والأذواق الشخصية، فأصبح الشب "الأجرودي" اليوم يعاني من مشاكل نفسية وضغوطٍ اجتماعية بسبب عدم نمو شعر ذقنه، والأنثى التي لا تستطيع _أو لا تريد_ أن تواكب صرعات المكياج،  أصبحت تُجرَّد من أنوثتها لمجرّد أنها خرجت من دون أن تضع عشرات المساحيق على وجهها، وما يحمل ذلك من مشاكل وضغوطٍ اجتماعية عليها أيضاً.
فماذا نحن فاعلون لقاء ذلك؟ لنكن موضوعيين قليلاً، للأسف نحن اليوم لسنا سوى سوق شره للإستهلاك لكلّ ماتريده الشركات العالمية، ننساق على سبيل المثال لا الحصر وراء تدخين "المارلبورو" لأنه تمّ تسويقها بصورةٍ رجولية معينة!
 

ومع هذا التنميط الذي نشأ مع نشوء وسائل الإعلام الحديثة، باتت رجولتنا وأنوثتنا يُتحَكّم بها من قبل شركاتٍ شرهة، فالرجل بحسب مقاييس اليوم, لربما تسقط عنه رجولته وفق مقاييس العقد الجديد, والفتاة صاحبة الوزن الزائد اليوم, لربما يكون وزنها مثالياً حسب مقاييس العقد المقبل.. من يعلم؟! فأذواقنا رهينة ما يرضاه العقل المتحكّم بأذواق البشر.
ومن هنا إلى أن تخرج مقاييس البشرية من تحكّم الرأسمالية فلنأخذ جرعة من الجمال الاصطناعي مع كل رشفة "كوكاكولا"! 


راديو ماراتوس
من فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تنشر كل خميس على موقع وصفحة راديو ماراتوس

الخميس، 3 يناير 2019

المتأسلمون.. العدوّ الأول للإسلام!

كاريكاتير لـ مرهف يوسف

همام دوبا |
لم يعد خافياً على أحد أنّ الإسلام ليس بالكتلة الواحدة، فهو دينٌ يحمل في طيّاته تشعّباتٍ فلسفيّةٍ وفكريّةٍ كثيرة، فبين الإسلام الصوفي، والإسلام الجهادي، إسلاماتٌ عدّة لا تقف تبايناتها الأيديولجية عند الطوائف والمذاهب فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى أنّ الطائفة الواحدة لربما تحمل عدة أنواعٍ أو أشكالٍ من الإسلام في جعبتها تبعاً لطبيعة فهم كل فئةٍ فيها للنص الديني، فبات الأمر شخصياً محض، كلٌّ ينتقي إسلامه الخاص تبعاً لبيئته وتربيته ومحيطه وظروفه الخاصة، إضافةً إلى أنّ كلّ فتوى جديدة، تسبب إنقساماً عمودياً جديداً بين أتباع الفكر نفسه، وبالتالي يتوّلد لدينا عبرها إسلاماً مختلفاً، وهكذا على نفس المنوال.

كثيرٌ من المسلمين اليوم (بحكم مولدهم في عائلاتٍ مسلمة) باتوا يرون في الإسلام فِكراً وتقاليداً أكثر منه بُعداً روحياً، في حين أن كثيراً من الشيوخ إن لم يكن أغلبهم، يرون في الإسلام مؤسسة سلطوية تمكّنهم من اعتلاء الناس والسيطرة عليهم والتحكّم بشؤونهم. 

وبمسحٍ بسيطٍ لرأي الشباب في العالم العربي اليوم، سواء عبر تعليقاتهم ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى من خلال الأحاديث اليومية، ترى فئةٌ كبيرةٌ من هؤلاء بأنّ الإسلام بات سبباً رئيسياً لرجعية العرب، وسبب تخلّفهم، وبأنّه يقيّض سكّة تطوّرهم، فما هي حقيقة ذلك؟ وكيف يمكننا أن نقيّم ديناً بأكمله، بناءً على تفسير أو ممارسة هذا الشخص أو تلك الفئة أو ذلك المذهب؟ فمعظم تأويلات النص القرآني الموجودة بين أيدي المسلمين اليوم، هي تأويلاتٌ بشرية، خُطّت منذ مئات السنين، وبناءً على هذه التأويلات تُستمدّ كل الفتاوى، لا مِن النصّ ذاته!
فـ "قطع يد السارق"، لربّما تعني منعه من السرقة مجدداً وقطع الطريق عليه من تكرار الفعل عبر معالجة الدافع والمسبب، وليس قطعها فعلياً كما يحدث حتّى الآن في السعودية مثلاً. أما "المثنى والثلاث والرباع" اقتصّها المؤولون من سياقها الكامل والواضح، ويؤوّلوها كما يشتهون.
 
وفي هذا السياق، يدعو الشاعر والمفكّر السوري العالمي أدونيس إلى إعادة النظر من جديد وبنظرةٍ حداثيّةٍ إلى النصّ الديني ضمن سياقٍ تاريخيّ جديد يتناسب مع عالمنا اليوم، ويرى أن سبيل خلاص العرب من تخلّفهم ورجعيّتهم، هو التخلّص من قيود المؤَولين السابقين، والعودة من جديد إلى النص، بوصفه نصاً ذو بعد روحي ينظّم علاقة الإنسان بربّه، وبالتالي إقصاء تشريعاته عن الحياة العملية، وإبقائها ضمن الإطار الذي خلقت له، أيّ قناعة الإنسان فيما يخص الأمور الغيبية.

ولكن للأسف، لم يحاول أحد حتّى اليوم أن يقدّم رؤيةً جديدةً للنص القرآنيّ، أو تفسيراً جديداً بعيداً ومنفصلاً عن التفسيرات السابقة، وبقي المسلمون عند تفسيرات الأئمة الأربعة قبل أكثر من ألف عام، وما يدور في فلكهم اليوم من رجال دين. وتبرز اليوم أهمية إعادة قراءة القرآن بعيون وعقلٍ جديد، خصوصاً إذا ما أردنا الانطلاق إلى الغد الذي مازلنا متأخّرين عنه قروناً، لكن المشكلة، وهنا أقتبس من كتاب (الكتاب الخطاب الحجاب) لأدونيس حيث يقول: "المسلمون يقلّصون الهوية الإسلامية في رفض الآخر، ونبذه، مما يتعارض مع طبيعة الوحي الإسلامي، المنفتح كلياً على الآخر. فالإسلام ائتلاف وإيلاف. أو هو المُختلِف المؤتلف".
وإذا ما عدنا قليلاً إلى الوراء، نجد أن كل الرؤى والنزعات المجدّدة التي قامت في التاريخ وقدّمت فلسفةً جديدةً للنص السماوي، حوربت، وكفّرت، ولوحقت، وأقيم عليهم الحد بناءً على ذات التأويل الرّث الذي تكلّمنا عنه، ولكن يغيب عن أصحاب ذلك الفكر العفن أن الله نفسه قال لرسوله محمد: "لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء"، فيما يقوم متبنّو فكر بعض التيارات"الإسلامي" بقتل كل يخالفهم الرأي.

ونحن هنا، عبر هذا المقال، لا ندعو لنسف الموروث الديني من جذوره، وإنما تجديد الدعوة لإعادة النظر فيه، وفحصه تحت مجهر القرن الحالي لا القرن السادس الميلادي، وإقامته على أسسٍ تواكب عالم اليوم، لا الأمس، وإبقائه في حدود تواصل الإنسان مع الله، ولعلّ أفضل دليلٍ يرشدنا إلى ذلك، أن معظم ما حصل ويحصل من ويلاتٍ وحروبٍ في عالم المسلمين، كان سببها تأويلات خاطئة للنص الديني.
 
 
راديو ماراتوس

من فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تتناول موضوعاً معيناً، تُنشر كل خميس على موقع وصفحة راديو ماراتوس.

الخميس، 27 ديسمبر 2018

هل علينا أن نسأل "المجرّب" أم "الحكيم"؟

همام دوبا | نعود اليوم لنتناول مثلاً شعبياً كموضوعٍ لمقالٍ جديد، لاعتقادي بأنَّ الأمثال تعبّر عن التراكم الثقافيّ الشعبي للمجتمعات، حيث لا تخلو أيّةُ جلسةٍ عربيةٍ من مثلٍ واحدٍ على الأقل يُطرَح كعلاجٍ لمشكلةٍ ما.
عودةٌ إلى العنوان، لا بدّ أنَّ التجربة تبني معرفةً، لكنّها معرفةٌ غير كاملة، فلا يمكننا من خلال التجربة فقط أن نحيط بكلّ تفاصيل الأمر، ولن نختبر فيها كيف تجري الأمور في الباطن، فعلى سبيل المثال يمكن لـ "مجرّب" أن يصف لك البرتقال كعلاج للـ "كريب"، لكنّه لا يستطيع شرح آلية تأثير هذه الفاكهة على جسدك، بيد أن الأمر لربما لا يكون "كريباً" بل مرضاً أخر، فللحكيم رؤيةٌ أخرى، أكثر إحاطة بخصوصية مرضك، وأشدُّ دقّة في إعطاء العلاج.
لم يقتصر تطبيق المثل السّابق على الأمراض والأدوية، بل شدّ رحاله إلى كلّ أقصاع مفاهيمنا ومشاكلنا، فبات المُجرِّب هو الخبير الأكيد لكلّ مشاكلنا، اجتماعيّةً كانت أو فكريّةً أو ثقافيّةً، حتّى أنَّ الحكيم أُحيل إلى التقاعد ولم يعد له أيّ عمل.
 

لا بدّ عند نقل أيّ تجربة والإرشاد بها أن ندرس البعد الشخصيّ، فلكل إنسانٍ مسارٌ خاصّ، وشخصيةٌ مختلفة، ولكلّ قضية مهما تشابهت مع الأخرى بُعدٌ خاصّ أيضاً، الغريب في المثل أعلاه، تناقضه مع باقي الموروثات الشعبية، كـ " إعطي خبزك للخبّاز ولو أكل نصو"، فيأتي هذا المثل متناقضاً مع ما سبقه، ومؤكّداً أنّه عليك أن تذهب إلى مختصٍّ مهما كانت التكلفة، فهو الّذي سيفتي لك بالأمر على أفضل وجه.

إنّ المشكلة ليست بنقل التجارب، ولا بالتجارب نفسها، وإنّما بِعدِّها مصدراً أكيداً للمعلومة، وعَدِّ ناقل التجربة أو "المُجرِّب" مصدراً موثوقاً لها، وعلى سبيل المثال لا الحصر, نحن اليوم في عالم أصبحت التجربة تُنقلُ بكبسة زر، الإعلام يصدّر التجربة كما يشتهي مُموّله، ووسائل التواصل الاجتماعي تنقل معلومات متضادّة حول نفس التجربة، فمن منّا يعرف حقيقة ما يجري في فرنسا من احتجاجات اليوم؟! أو في انتفاضة السودان الأخيرة؟ إنّ كلّ الصور التي تصلنا عنها صورٌ لا يمكن الاعتداد بها كمصدرٍ حقيقيٍّ وموثوق، خاصّة لنا نحن في سوريا بعد ما شهدناه من تزوير خلال السنين السّبعة الفائتة، والتزوير الذي أقنع كلّ من هو خارج سوريا، وحتّى من هو بداخلها أحياناً، بصورةٍ مختلفةٍ كليّاً عن الحقيقة، فكان أحدنا يتابع أخبار الحي المجاور له عبر القنوات الفضائية، ليكتشف في اليوم التالي حقيقة ما حصل فعلاً!، وهذا ما أكده صحفيون غربيون كثر خرجوا عن صمتهم وعبّروا أن حقيقة الميدان تختلف كثيراً عمّا يتم تداوله في وسائل الإعلام, هذا في ما يخص اليوم والغد, إلا أنّ الماضي ايضاً وصلنا بتجاربه, فاعتنقناها دون أيّ درايةٍ بكامل تفاصيله!.
 

فبين "الحكيم والمجرّب والخبّاز" يقف العربيّ دون أدنى معرفةٍ بأساليبِ التحقّق والبحثِ عن حقيقة المعلومة ومدى صدق مصدرها من عدمه، فما زال منشورٌ على "فيسبوك" يحرّك شارعاً، وتقريرٌ تلفزيوني يكظم غيظ الناس أو يؤجّجه، دون محاولةٍ جديّةٍ من الناس لمعرفة الحقيقة.

  

راديو ماراتوس

من فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تنشر كل يوم خميس عند السابعة مساءً على موقع وصفحة راديو ماراتوس.

فراس السوّاح.. لا سقف فوق العقل

المفكّر السوري والباحث في علم الأديان والميثولوجيا الدكتور فراس السوّاح همام دوبا |  كنّا قد تكلّمنا في مقالٍ سابق تحت عنوان " الم...