الأحد، 1 يوليو 2018

لا تنحنِ يا زيّاد..!


ناجي سليمان | على عكس المتوقّع، أو لنقل على عكس المألوف، "المألوف" بما تعنيه هذه الكلمة من تنميطٍ وقولبة للأشخاص وتسطيحٍ للمفاهيم والأشياء، على عكس ما ترسّخ في أذهان أجيالٍ متعاقبة عن تزاوج اسم زياد مع النكتة والضحكة، فقد فرض حضور زيّاد على متابعيه في مقابلته على شاشة المنار قبل يومين الشعور بالحزن.. الحزن ولا شيء آخر.. مهلاً، لنضع لغة التعميم جانباً.. سأقول بأنّ هذا الشعور قد فرضه على كاتب هذه الكلمات.. وسأكمل بلغة فردية.

الحزن على هذا الظهر المنحني، والأصابع المرتجفة، الأصابع المصبوغة بلون دخان السجائر التي لا تنطفئ حتى داخل الاستوديو، الأصابع التي أنتجت موسيقى أصبحت جزءاً أساسياً من تاريخٍ أبيض اسمه فيروز، موسيقى غارقة في وجدان عشرات الملايين من البشر، موسيقى تشكّل جرعة ألوان تساعدنا لمواجهة سواد أخبار الموت المترددة يومياً من بلداننا.
الحزن الذي أحكي عنه مصدره الخيبة المستترة في حنجرة زياد مع كلّ كلمة، كيف لشخصٍ مثل زياد أن يشعر بالخيبة من هذه الحياة.. وأن يعدّ الأوفياء له على أصابع يدٍ واحدة؟ كيف لزارع الضحكة على الوجوه بأن يكون بائساً بعيداً متخفّياً وشبه عاطلٍ عن العمل.. كيف لمثله أن يعاني أزمة مالية.. كيف يمشي هذا الكون يا الله.؟!

نعود لـ "المألوف".. زيّاد لا يمكن أن يكون مألوفاً، ولا يمكن أن يشبه أحد ولا أن يشبهه أحد.. ولن. متى أصبح الشيء مألوفاً أصبح سلعة.. كما أصبحت صورة غيفارا سلعة رأسمالية.. وكما أضحت الكوفية الفلسطينية منتجاً إسرائيلياً يباع في أسواق حيفا والقدس، يا لتمييع المفاهيم والأشياء.! وهكذا هو زيّاد، أصبح أسيراً للنكتة التي لم يتقصّدها يوماً، أسيراً للنكات السمجة والأقوال المبتذلة التي تلصق باسمه على هذا الموقع الأزرق، رشيد في "فيلم أمريكي طويل" لم يقل نكتة واحدة رغم الضحكات المتواصلة من جمهور المسرحية.. زياد عبر شخصية رشيد أبو "الإشارات يلي بتطلع وبتعكف" كان يشرّح أزمات شرقٍ بأكمله.. كان يحكي عن مستنقعٍ طائفي تغرق فيه هذه الأمّة.. رشيد قبل 40 عاماً كان يحكي عن الحرب السورية اليوم.
زياد رأسٌ متخمٌ بما لا يستطيع تحمّله إنسان وصل إلى مجده، زياد الوحيد والباحث الدائم عن شريكة، زياد أبو عاصي الذي لم يكن ابنه يوماً، زياد المتخاصم مع فيروز، اسم فيروز الذي أضحى في ألبومها الأخير رهينةً في يد ريما.
في الثالثة والستين من عمره، زياد راحلٌ إلى برلين، بحثاً عن استديو تتوفّر فيه كهرباء لا تنقطع، كم هو عظيم هذا الحلم وكم نحن صغراء.. كم هو مخجل جحود أوطاننا بأنبيائها.

لمشاهدة اللقاء عبر هذا الرابط اضغط هنا

 
راديو ماراتوس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

36 سنةً فقط يا غسان.. "أليست جديرة بأن يعيشها الإنسان بطمأنينة"؟!

"إسمع يا فيلسوفي الصغير.. الإنسان يعيش ستين سنة في الغالب، أليس كذلك! يقضي نصفها في النوم، بقي ثلاثون سنة. إطرح منها عشر سنوات ما ب...