الجمعة، 9 نوفمبر 2018

الناطقون زوراً باسم الوطن.. متى يُحَجَّموا؟

كاريكاتير لـ ثروت مرتضى
 حيدر مصطفى | كثيرةٌ هي المهن التي يعمل بها البشر من حول العالم، لكننا في سوريا وبلدان الشرق الأوسط على وجه الخصوص، يتفرّد بعضنا باختيار مهنةٍ غير معروفة عالمياً، وهي مهنةٌ رديفة لأعمالهم الرسمية، تتطلّب الكثير من الغرور والجشع ويفضّل في من يختارها سلوكاً بحياته أن يكون من المصابين بمرض الشيزوفرينيا والانفصام المستدام، وممن لا يدركون الواقع ويتعالون عليه وينكرونه، وممّن ينصبون أنفسهم باعةً لشهادات الوطنية وأصحاب الحقّ الحصري في منحها، واعتبار أنفسهم أصحاب قدرة على تقييم الآخرين دونما أيّ اعتبار لشخوصهم ومكانتهم، سواء أكانوا فنانين أو صحفيين أو مواطنين تحت العادةِ .. لا فرق.
  

هي مهنة الناطقين زوراً باسم الوطن، والتي لم نعِ أن العديد من مواطنينا يرغبونها ويتبعونها كسلوكٍ ومنهجٍ وأسلوب حياة. أمتنا بمقدراتها ومؤسساتها واستراتيجياتها وجهابذتها وعلمائها وكتّابها، غاب عنها أن العديد من أبنائها سلكوا طريق التعالي عليها، خلافاً لجميع المواثيق التي تربط الفرد بوطنه ومجتمعه وأمته.
 

و"الناطق" باسم الوطن، هو ذلك الوصولي والإنتهازي الذي لا ينفكّ يتحوّل إلى طبلٍ تارة وتارة أُخرى إلى مزمار، وفي حالةٍ أُخرى إلى ممسحةٍ تُستخدم للتلميع، وفي مشهد آخر مزاود في أسواق التنافس "بالوطنية"، وتاجر مهمته المغالاة طمعاً بالمزيد من الربح.
هذا الكلام قد ينطبق على الكثيرين، لكننا لا نقصد أحدا بعينه، فقط نتساءل كـ"مواطنين" بأي حق يخرج شخصٌ يزعم التزامه بولائه للوطن ورموزه بتصريحات أو خطابات يطالب فيها بإغلاق أبواب الوطن بوجه مواطنين آخرين.

لا شك أن الدولة أقدر على تقييم الموقف، وتبيان مدى حجم الضرر من بعض المتهمين بالتحريض والإضرار بأمن البلاد وكيفية محاسبتهم، وهذا حق، لكن ألا يعد هذا الخطاب والذي تكرر على مسامعنا في مرات عدة من قبل "الناطقين زوراً باسم الوطن"، تجاوزاً على نهج الدولة في إعادة لمّ الشمل، وتقريب من شتتهم وضللتهم وسائل الإعلام وأبعدتهم إرهاصاتها عن وطنهم الأم؟ أم أن وتر الوطنية والمغالاة لا يهتزّ إلا عند الشعور بالضرر المباشر على المصالح الشخصية!

وماذا عن المواقف السياسية واستخدامها مطيّة للفرز الذي لا جدوى منه سوى المزيد من الخصومة والتأزيم. ألا تعي الأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية كل شاردة وواردة وتعلم من يدخل البلاد أو يخرج منها؟ ألا تعرف تلك الأجهزة، التوجّهات السياسية للمشاهير والمعروفين والمؤثرين في الرأي العام، لا شك أنها تعي ذلك جيداً، لكنها تعي أيضاً أن لا مصلحة للسلطة باستمرار حالة الشقاق بين الأم وأبنائها مهما كان حجم "ضلالتهم" حسب ما يتهمون.

يُحسب لسوريا أنها لم تسقط جنسية أي من مواطنيها، حتى أولئك الذين حملوا السلاح وتمرّدوا على سلطة القانون، ما زالت هويتهم حق لم تسقطه الدولة رغم تجاوزهم عليها، فما بال بعض "الناطقين زوراً باسم الوطن" يريدون إغلاق أبوابه بوجه الآخرين بدلاً من تشجيعهم على العودة، وإعادة بناء أواصر الثقة خدمةً للهدف الأسمى .. التعالي على الجراح وتحييد المواقف السياسية والعمل على ردم الهوة التي اتّسعت بين أبناء الوطن الواحد.
هوةٌ لا يمكن أن نحلم بردمها، ما لم يعرف الجميع حجمه ويقف عند حدود الوطن وتحت سقفه وملتزماً بأخلاقه وتعاليمه.
 
 
خاص راديو ماراتوس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

العنف "الجندري".. عنفٌ قائم

كاريكاتير للفنان السوري مرهف يوسف همام دوبا | لا بدّ أنك قد سمعت أو قرأت، عزيزي القارئ، جملة "العنف القائم على النوع الاجتماعي&qu...