الخميس، 3 يناير 2019

المتأسلمون.. العدوّ الأول للإسلام!

كاريكاتير لـ مرهف يوسف

همام دوبا |
لم يعد خافياً على أحد أنّ الإسلام ليس بالكتلة الواحدة، فهو دينٌ يحمل في طيّاته تشعّباتٍ فلسفيّةٍ وفكريّةٍ كثيرة، فبين الإسلام الصوفي، والإسلام الجهادي، إسلاماتٌ عدّة لا تقف تبايناتها الأيديولجية عند الطوائف والمذاهب فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى أنّ الطائفة الواحدة لربما تحمل عدة أنواعٍ أو أشكالٍ من الإسلام في جعبتها تبعاً لطبيعة فهم كل فئةٍ فيها للنص الديني، فبات الأمر شخصياً محض، كلٌّ ينتقي إسلامه الخاص تبعاً لبيئته وتربيته ومحيطه وظروفه الخاصة، إضافةً إلى أنّ كلّ فتوى جديدة، تسبب إنقساماً عمودياً جديداً بين أتباع الفكر نفسه، وبالتالي يتوّلد لدينا عبرها إسلاماً مختلفاً، وهكذا على نفس المنوال.

كثيرٌ من المسلمين اليوم (بحكم مولدهم في عائلاتٍ مسلمة) باتوا يرون في الإسلام فِكراً وتقاليداً أكثر منه بُعداً روحياً، في حين أن كثيراً من الشيوخ إن لم يكن أغلبهم، يرون في الإسلام مؤسسة سلطوية تمكّنهم من اعتلاء الناس والسيطرة عليهم والتحكّم بشؤونهم. 

وبمسحٍ بسيطٍ لرأي الشباب في العالم العربي اليوم، سواء عبر تعليقاتهم ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى من خلال الأحاديث اليومية، ترى فئةٌ كبيرةٌ من هؤلاء بأنّ الإسلام بات سبباً رئيسياً لرجعية العرب، وسبب تخلّفهم، وبأنّه يقيّض سكّة تطوّرهم، فما هي حقيقة ذلك؟ وكيف يمكننا أن نقيّم ديناً بأكمله، بناءً على تفسير أو ممارسة هذا الشخص أو تلك الفئة أو ذلك المذهب؟ فمعظم تأويلات النص القرآني الموجودة بين أيدي المسلمين اليوم، هي تأويلاتٌ بشرية، خُطّت منذ مئات السنين، وبناءً على هذه التأويلات تُستمدّ كل الفتاوى، لا مِن النصّ ذاته!
فـ "قطع يد السارق"، لربّما تعني منعه من السرقة مجدداً وقطع الطريق عليه من تكرار الفعل عبر معالجة الدافع والمسبب، وليس قطعها فعلياً كما يحدث حتّى الآن في السعودية مثلاً. أما "المثنى والثلاث والرباع" اقتصّها المؤولون من سياقها الكامل والواضح، ويؤوّلوها كما يشتهون.
 
وفي هذا السياق، يدعو الشاعر والمفكّر السوري العالمي أدونيس إلى إعادة النظر من جديد وبنظرةٍ حداثيّةٍ إلى النصّ الديني ضمن سياقٍ تاريخيّ جديد يتناسب مع عالمنا اليوم، ويرى أن سبيل خلاص العرب من تخلّفهم ورجعيّتهم، هو التخلّص من قيود المؤَولين السابقين، والعودة من جديد إلى النص، بوصفه نصاً ذو بعد روحي ينظّم علاقة الإنسان بربّه، وبالتالي إقصاء تشريعاته عن الحياة العملية، وإبقائها ضمن الإطار الذي خلقت له، أيّ قناعة الإنسان فيما يخص الأمور الغيبية.

ولكن للأسف، لم يحاول أحد حتّى اليوم أن يقدّم رؤيةً جديدةً للنص القرآنيّ، أو تفسيراً جديداً بعيداً ومنفصلاً عن التفسيرات السابقة، وبقي المسلمون عند تفسيرات الأئمة الأربعة قبل أكثر من ألف عام، وما يدور في فلكهم اليوم من رجال دين. وتبرز اليوم أهمية إعادة قراءة القرآن بعيون وعقلٍ جديد، خصوصاً إذا ما أردنا الانطلاق إلى الغد الذي مازلنا متأخّرين عنه قروناً، لكن المشكلة، وهنا أقتبس من كتاب (الكتاب الخطاب الحجاب) لأدونيس حيث يقول: "المسلمون يقلّصون الهوية الإسلامية في رفض الآخر، ونبذه، مما يتعارض مع طبيعة الوحي الإسلامي، المنفتح كلياً على الآخر. فالإسلام ائتلاف وإيلاف. أو هو المُختلِف المؤتلف".
وإذا ما عدنا قليلاً إلى الوراء، نجد أن كل الرؤى والنزعات المجدّدة التي قامت في التاريخ وقدّمت فلسفةً جديدةً للنص السماوي، حوربت، وكفّرت، ولوحقت، وأقيم عليهم الحد بناءً على ذات التأويل الرّث الذي تكلّمنا عنه، ولكن يغيب عن أصحاب ذلك الفكر العفن أن الله نفسه قال لرسوله محمد: "لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء"، فيما يقوم متبنّو فكر بعض التيارات"الإسلامي" بقتل كل يخالفهم الرأي.

ونحن هنا، عبر هذا المقال، لا ندعو لنسف الموروث الديني من جذوره، وإنما تجديد الدعوة لإعادة النظر فيه، وفحصه تحت مجهر القرن الحالي لا القرن السادس الميلادي، وإقامته على أسسٍ تواكب عالم اليوم، لا الأمس، وإبقائه في حدود تواصل الإنسان مع الله، ولعلّ أفضل دليلٍ يرشدنا إلى ذلك، أن معظم ما حصل ويحصل من ويلاتٍ وحروبٍ في عالم المسلمين، كان سببها تأويلات خاطئة للنص الديني.
 
 
راديو ماراتوس

من فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تتناول موضوعاً معيناً، تُنشر كل خميس على موقع وصفحة راديو ماراتوس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

راديو ماراتوس: صوتُنا يصمتْ.. ولا يتلاشى!

قبل عامين تماماً، كانت البداية، وكما هو الحال مع كلّ بداية كانت الأحلام كبيرة، بل أكبر من أن يتسع لها حيّز الإعلام في البلاد. البداية تلك...