الخميس، 10 يناير 2019

كيف أصبح الجمال سلعةً رأسمالية؟

همام دوبا | أطلقت منظّمة "الباحثون السوريون" حملة "no makeup January"، وهي دعوةٌ موجّهةٌ للفتيات لإيقاف استخدام مواد التجميل لمدّة شهركامل، حيث تهدف هذه الحملة إلى الإضاءة على المشاكل التي يسبّبها استخدام مواد التجميل على صعيد البشرة وكذلك على الصعيدين النفسيّ والاجتماعيّ، وعند ذكر الاجتماعيّ فلا بدّ أن ننوّه أن الحملة قد أُطلقت من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ، أي المنصّات التي تستخدم عادةً للترويج إلى مستحضرات التجميل عن طريق الصور التي تنتشر فيها، والتي أثّرت وتؤثّر في وعي المتلقي دون أن يدرك ذلك، فلطالما عَمِدت -وعلى مدى تاريخ العولمة- شركات التجميل والأزياء إلى ترويض المجتمع عبر الإعلام لمصلحتها وذلك من القنوات التلفزيونية وأفلام السينما، ونجومها، واليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، إلى أن كرّست أنماطاً معيّنةً للأنوثة والرجولة بما يتوافق مع بيع أكبر نسبةٍ ممكنة من منتجاتها.

وإذا بحثنا عن أسباب انتشار مستحضرات التجميل، نرى أن الرأسمالية العالمية، بشركاتها التي تبتلع عالمنا اليوم، قد أوجدت سوقاً لهذه المساحيق بلغت مبيعاته نحو 170 مليار دولار عام 2010 فقط، وذلك حسب التقرير الدوليّ لصناعة مستحضرات التجميل،
والمشكلة هنا لا تكمن في المستحضرات وسوقها فحسب، بل أيضاً بتأثير الشركات على وعينا في تحديد معايير الرجولة والأنوثة.

في مطلع هذه الألفية من الزمن، كان شرط الوسامة للرجل هو الذقن الحليقة، فجميعنا نذكر دعايات شفرات الحلاقة الأحادية ومن ثم الثنائية ومن بعدها الثلاثية، والفتيات الجميلات اللواتي يتغنين بذقون شركائهن الحليقة، بينما اليوم أصبح إطلاق اللحية بمثابة "ترند"، وتحوّل إلى نمطٍ دارج بما فيه من "مواد تجميلية" للإعتناء باللحية، فإطلاق لحيتك اليوم سيكلّفك 20 دولار على الأقل بين زيوتٍ ومرطّبات و "واكساتٍ" مخصصة.
  

لطالما رغب الإنسان بالاعتناء بمنظره وبمواكبة الموضة, لكن الأمر قد زاد عن حدّه، وأصبحت الشركات تحدّد من هو الرجل ومن هي الأنثى تبعاً لتصنيفات تحددها مجالس الإدارات في هذه الشركات العابرة للحدود والمحيطات والأعراق والأذواق الشخصية، فأصبح الشب "الأجرودي" اليوم يعاني من مشاكل نفسية وضغوطٍ اجتماعية بسبب عدم نمو شعر ذقنه، والأنثى التي لا تستطيع _أو لا تريد_ أن تواكب صرعات المكياج،  أصبحت تُجرَّد من أنوثتها لمجرّد أنها خرجت من دون أن تضع عشرات المساحيق على وجهها، وما يحمل ذلك من مشاكل وضغوطٍ اجتماعية عليها أيضاً.
فماذا نحن فاعلون لقاء ذلك؟ لنكن موضوعيين قليلاً، للأسف نحن اليوم لسنا سوى سوق شره للإستهلاك لكلّ ماتريده الشركات العالمية، ننساق على سبيل المثال لا الحصر وراء تدخين "المارلبورو" لأنه تمّ تسويقها بصورةٍ رجولية معينة!
 

ومع هذا التنميط الذي نشأ مع نشوء وسائل الإعلام الحديثة، باتت رجولتنا وأنوثتنا يُتحَكّم بها من قبل شركاتٍ شرهة، فالرجل بحسب مقاييس اليوم, لربما تسقط عنه رجولته وفق مقاييس العقد الجديد, والفتاة صاحبة الوزن الزائد اليوم, لربما يكون وزنها مثالياً حسب مقاييس العقد المقبل.. من يعلم؟! فأذواقنا رهينة ما يرضاه العقل المتحكّم بأذواق البشر.
ومن هنا إلى أن تخرج مقاييس البشرية من تحكّم الرأسمالية فلنأخذ جرعة من الجمال الاصطناعي مع كل رشفة "كوكاكولا"! 


راديو ماراتوس
من فقرة "سكانر"، وهي تدوينة تنشر كل خميس على موقع وصفحة راديو ماراتوس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

راديو ماراتوس: صوتُنا يصمتْ.. ولا يتلاشى!

قبل عامين تماماً، كانت البداية، وكما هو الحال مع كلّ بداية كانت الأحلام كبيرة، بل أكبر من أن يتسع لها حيّز الإعلام في البلاد. البداية تلك...