الخميس، 17 يناير 2019

الموسيقى.. وانعكاسها على المجتمع والسياسة


Výsledek obrázku pro ‫بيتهوفن‬‎
بيتهوفن
همام دوبا | يمتدّ العصر الكلاسيكي في أوروبا بين عامي١٧٣٠ و١٨٢٠، وهو عصرٌ يوصفُ بالنخبوي، حيث يرى فيه أرستقراطيو أوروبا أنّهم وحدهم من يستطيعون تذوّق الجمال، أمّا العامة فلا قدرةَ لها على ممارسة الفن، الفن الذي كان حينذاك فنّا عنصرياً مقيّداً بالنخبوية والسلطوية، ومن أهمّ عرّابي الموسيقى الكلاسيكية في ذلك الوقت موزارت وهايدن وباخ.
  
وبنظرةٍ على المعطياتِ السابقة كان لابدّ من ثورةٍ على تلك القيود التي حكمت كلّ أنواع الفنونِ وبالتالي العقول، فبدأت بوادر الثورة الرومنسية _الرومانتيكية_ وذلك في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر في فرنسا لتعمّ أوروبا في وقتٍ لاحق، حاملةً معها قيماً فنيّةً جديدة، حيث باتت المشاعر هي المحرّك الأوّل للفن بألوانه المختلفة، وكانت الرومنسية بمثابة تأكيدٍ على قوّة المشاعر والعواطف والخيال الجامح، مكتفيةً بهذا الدفق من الأحاسيس كمصدرٍ أوّلٍ وأصيلٍ للتجارب الجمالية.
ودَعَت تلك الثورة إلى التحرّر من قيودِ الكلاسيكيّة السلطويّة، وأُتيحَ للعامّةِ ممارسة الفن وتذوّق الجمال من شتى الأطباق الإبداعية، بعد أن كانت الكلاسيكية تحظر عليهم ذلك، وتحتكره لأرستقراطييها فقط.
ولم تقتصر الثورة الرومنتيكية على الفنّ وحده بل امتدّت لتصلَ إلى الفكرِ حيث يعتبرها المؤرّخون أنّها ثورةٌ ضدّ الأرستقراطية والمعايير الاجتماعية والسياسية ، حتّى أنها ارتبطت لاحقاً بالحركاتِ الليبرالية والراديكالية.
وإذا ما نظرنا إلى الأسباب غير المباشرة للثورة الفرنسية فنجد أنّ الرومنسية بكتّابها وفلاسفتها  أثّرت جليّاً في العقل الأوروبي، بدا ذلك واضحاً في نتاجات فلاسفة التنوير والرومنسية أمثال جان جاك روسو، وفولتير ومن تلاهما من أسماءٍ لا تقلّ إشعاعاً مثل شوبينهاور ونيتشه.
ولكن ثمّة سؤالٌ يبرز هنا عن الفرق الحقيقي والملموس بين الكلاسيكية والرومنسية، يمكننا القول أنّ الفرق يكمن عندما قرّر الرومنسيون أنّ الأدب ليس محاكاةً للحياة وللطبيعة كما تذهب الكلاسيكية، بل خلقاً، وأداة الخلق هي الخيال المبتكر، مع ذكريات الماضي وأحداث الواقع الراهن وإرهاصات المستقبل.
حقّقت الرومنسية ثورةً على العقل وسلطانه، وعلى السيطرة الإغريقية والرومانية على الأدب، وعلى جميع القيود الفنيّة والفكريّة المتوارثة، ودَعَت إلى إسقاط كلِّ ما يكبّل الملكاتِ ويقيّد الفنّ والأدب، لتنطلق العبقريةُ البشرية على سجيّتها.
موسيقياً كان بيتهوفن نقطة التحوّل بين الكلاسيكية والرومنسية وتلاه رومنسياً شوبان، شوبّرت والكثير بعدهما.

وإذا ما أردنا أن نسقط بعضاً من هذا الكلام على واقع الموسيقى في شرقنا، فنلحظ اليوم أن لبنان كوطنٍ نشأ جديداً في منتصف القرن الماضي من رحم سوريا، يمكن اختزاله موسيقياً بتجربة الرحابنة ووديع الصافي، وإذا ما ذهبنا بعيداً في الإسقاطات الطبقية التي تحدّثنا عنها آنفاً في المدرسة الكلاسيكيّة، فنرى مثيلاً لها اليوم من أذواقٍ موسيقية فرزت طبقاتٍ اجتماعية متعددة، ابتداءً من اللون "الشعبي" كما يُصطلح على تسميته، وصولاً إلى الأغاني الدينية التي اجتاحت ساحة الحرب في البلاد خلال السنين الماضية وفرزت جمهوراً يتمترس خلف البنادق على اختلاف ألوانها، مروراً بألوانٍ "موسيقية" أُخرى.
في الختام نرى أن ثورة الرومنسية، ليست مرتبطة بالفنّ وأشكاله وأنواعه فقط، بل هي ثورةٌ اجتماعيةٌ ثقافيةٌ سياسيةٌ شاملة، والحجر الأساس للمفاهيم الديموقراطية التي نتغنّى بها اليوم، حتّى أنّها عُدّت إحدى لَبِناتِ الاشتراكية الأولى.
 
 
راديو ماراتوس 
نُشرت هذه التدوينة تحت فقرة "سكانر" التي تُنشر أسبوعياً على موقع وصفحة راديو ماراتوس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فراس السوّاح.. لا سقف فوق العقل

المفكّر السوري والباحث في علم الأديان والميثولوجيا الدكتور فراس السوّاح همام دوبا |  كنّا قد تكلّمنا في مقالٍ سابق تحت عنوان " الم...